الدارالبيضاء … عين الحدث … احمد كوصي

لم تعد ظاهرة شغب الملاعب في المغرب مرتبطة فقط بما يقع داخل أسوار المركبات الرياضية، بل أصبحت تمتد إلى الشوارع والأحياء الشعبية ومحطات النقل، في مشاهد باتت تثير قلق الأسر والمواطنين والسلطات على حد سواء. الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة الدار البيضاء، والتي انتهت ببتر رجل أحد المحسوبين على فصائل “الألتراس”، أعادت النقاش بقوة حول خطورة الانفلات المرتبط ببعض الجماهير المتعصبة، وحول حدود التشجيع الرياضي عندما يتحول إلى عنف دموي يهدد سلامة المجتمع.
مصادر متطابقة أكدت أن المواجهات اندلعت خارج إطار المباريات، وفي مناطق بعيدة عن الملاعب، حيث تحولت خلافات بين مجموعات مشجعين إلى مواجهات عنيفة استُعملت فيها أسلحة بيضاء ومفرقعات وأدوات خطيرة، مخلفة إصابات متفاوتة الخطورة، من بينها الحالة المأساوية لشاب فقد إحدى رجليه في مشهد صادم هز الرأي العام المحلي.
من التشجيع إلى “حروب الشوارع”
ما يحدث اليوم لم يعد مجرد “شغب رياضي” عابر، بل أصبح أقرب إلى ظاهرة اجتماعية معقدة، تتداخل فيها البطالة والهشاشة الاجتماعية والرغبة في فرض النفوذ والانتماء داخل مجموعات منظمة. بعض فصائل “الألتراس” تحولت، للأسف، من فضاءات للإبداع في التشجيع وصناعة الفرجة إلى كيانات يدخل بينها منطق “الانتقام” و”السيطرة على المجال”، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي تؤجج الصراعات وتدفع نحو الاستعراض والتحدي.
الأخطر أن هذه المواجهات لم تعد تنتظر موعد مباراة أو صافرة حكم، بل أصبحت تندلع بشكل مفاجئ داخل الأحياء الشعبية أو قرب محطات القطارات والترامواي، ما يهدد سلامة المواطنين الأبرياء الذين يجدون أنفسهم وسط فوضى وعنف لا علاقة لهم به.
أين ينتهي دور الألتراس وأين يبدأ دور القانون؟
رغم أن العديد من فصائل الألتراس بالمغرب تؤكد في بياناتها الرسمية رفضها للعنف، إلا أن الواقع يكشف أن بعض المنتمين إليها يستغلون هذا الغطاء للانخراط في أعمال تخريبية وإجرامية، وهو ما يفرض تمييزًا واضحًا بين “التشجيع المنظم” و”العصابات المقنعة بالرياضة”.
القانون يبقى فوق الجميع، وأي انتماء رياضي لا يمكن أن يبرر حمل السلاح الأبيض أو الاعتداء على الأشخاص أو الممتلكات. فالتشجيع الرياضي رسالة حضارية، وليس وسيلة لتصفية الحسابات أو نشر الرعب بين المواطنين.
ما دور الأمن في مثل هذه الحالات؟
الأجهزة الأمنية المغربية تجد نفسها أمام تحديات متزايدة ومعقدة في مواجهة هذا النوع من العنف، خاصة عندما تنتقل المواجهات من الملاعب إلى الفضاءات المفتوحة داخل المدن. فرجال الأمن مطالبون اليوم ليس فقط بتأمين المباريات، بل أيضًا برصد التحركات المسبقة للمجموعات المتصارعة، ومراقبة الدعوات التحريضية التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وقد أصبح التدخل الأمني يعتمد بشكل أكبر على العمل الاستباقي، عبر:
جمع المعلومات حول التحركات المشبوهة.
مراقبة الصفحات والمنشورات المحرضة على العنف.
الانتشار المكثف في النقاط السوداء ومحطات التنقل.
التدخل السريع لاحتواء الاشتباكات قبل تفاقمها.
توقيف المتورطين وتقديمهم أمام العدالة.
ورغم المجهودات الكبيرة التي تبذلها المصالح الأمنية، فإن المقاربة الزجرية وحدها لا تكفي. فالمطلوب أيضًا هو تفعيل دور الأسرة والمدرسة والجمعيات الرياضية، إضافة إلى فتح حوار جدي مع فصائل المشجعين من أجل إعادة ثقافة التشجيع إلى مسارها الطبيعي.
شغب الملاعب… ناقوس خطر مجتمعي
حادثة بتر رجل أحد المشجعين ليست مجرد “خبر عابر”، بل جرس إنذار حقيقي يكشف أن العنف المرتبط بكرة القدم بلغ مستويات خطيرة تستوجب تدخلاً جماعيًا عاجلًا. فحين يصبح الانتماء الرياضي سببًا في إراقة الدماء وترويع المواطنين، فإن الأمر يتجاوز الرياضة ليصبح قضية أمن مجتمعي تستدعي الحزم والتوعية في آن واحد.
ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: إلى متى ستظل بعض المباريات والمواجهات الكروية تتحول إلى شرارة لحروب شوارع يدفع ثمنها شباب في عمرالزهور؟
