تسريب الطالبي العلمي.. هل كُشفت كواليس الحكومة قبل أن يتكلم الناخبون؟

الدارالبيضاء … عين الحدث … احمد كوصي 

 

 

الدارالبيضاء 30 غشت 2026

من يتنبأ بنتائج الانتخابات؟ ومن يوزع الحقائب الوزارية قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع؟

لم يكن التسجيل الصوتي المنسوب إلى رشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، مجرد مقطع صوتي عابر مرّ على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحوّل خلال أيام قليلة إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية إثارة للجدل، خصوصاً أنه جاء على بعد أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026.
التسجيل، الذي قيل إنه جزء من مداخلة داخل اجتماع المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، تضمن حديثاً عن الحسابات الانتخابية المقبلة، وعن موقع حزب الأحرار في النتائج المنتظرة، فضلاً عن مواجهة سياسية واضحة مع فوزي لقجع، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة والوزير المنتدب المكلف بالميزانية.
والأكثر إثارة أن مضمون التسجيل، بحسب ما تداولته وسائل إعلام، ذهب إلى الحديث عن إمكانية احتلال حزب التجمع الوطني للأحرار المركز الثاني، مع وضع شروط مسبقة مرتبطة بالحكومة المقبلة وخصوصاً حقيبة الاقتصاد والمالية.
الانتخابات لم تُجرَ بعد.. فمن أين جاءت كل هذه اليقينيات؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كانت صناديق الاقتراع هي وحدها القادرة على تحديد ترتيب الأحزاب، فكيف يتحول النقاش داخل اجتماع حزبي مغلق إلى حديث عن المركز الثاني وعن شكل الحكومة المقبلة؟
لا يتعلق الأمر هنا بتوقع سياسي عادي؛ فكل حزب من حقه أن يتوقع الفوز أو الخسارة، وأن يضع سيناريوهات لما بعد الانتخابات.
لكن الخط الأحمر يبدأ عندما يبدو، في الخطاب المتداول، وكأن مواقع بعض الأحزاب والحقائب الوزارية أصبحت موضوع تفاوض مسبق، قبل أن يقول الناخب المغربي كلمته.
وهذه النقطة تحديداً هي التي جعلت التسريب يتحول من خلاف حزبي داخلي إلى قضية رأي عام.
« وزارة المالية والله لا شافها ».. لقجع في قلب العاصفة
أكثر العبارات التي فجرت الجدل تلك المرتبطة بفوزي لقجع ووزارة الاقتصاد والمالية.
فالتسجيل المتداول يتضمن، وفق ما نشرته عدة وسائل إعلام، موقفاً حاداً من إمكانية تولي لقجع حقيبة المالية في الحكومة المقبلة، مع الحديث عن استمرار نادية فتاح العلوي في المنصب إذا حافظ حزب الأحرار على موقعه السياسي.
وهنا تبرز إشكالية سياسية أكبر:
هل أصبح توزيع الحقائب الوزارية موضوعاً لصراع حزبي داخلي قبل ظهور نتائج الانتخابات؟
أم أن الأمر لا يتجاوز مجرد نقاش داخلي يعبر عن موقف سياسي شخصي داخل اجتماع حزبي؟
المؤكد أن فوزي لقجع دخل فعلياً في قلب المعركة السياسية، بعدما انتقل من موقع التدبير الحكومي والرياضي إلى واجهة الصراع الحزبي، خصوصاً بعد التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة، وما رافق ذلك من اتهامات متبادلة بشأن استقطاب منتخبين ومرشحين.
لماذا هذا التوتر الآن؟
التوقيت ليس عادياً.
المغرب يعيش مرحلة انتخابية حساسة، والأحزاب تستعد لاستحقاق 23 شتنبر، فيما تتصاعد عمليات الاستقطاب والتحالفات والانتقالات السياسية.
وبالتالي، فإن أي كلمة تصدر من شخصية سياسية بهذا الحجم تصبح قابلة للتحول إلى عنوان انتخابي.
والتسجيل كشف، على الأقل، أن الصراع المقبل لن يكون فقط بين البرامج الانتخابية، وإنما قد يكون أيضاً صراعاً على من سيقود الحكومة، ومن سيملك مفاتيح القرار الاقتصادي والمالي.
هل نحن أمام صراع على المواطن أم صراع على الكراسي؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح.
المواطن المغربي لا ينتظر من السياسيين أن يتنبؤوا له فقط بمن سيحتل المركز الأول أو الثاني، ولا أن يتصارعوا مسبقاً حول حقيبة المالية.
المواطن يريد أن يعرف:
أين هي فرص الشغل؟
ماذا عن القدرة الشرائية؟
ماذا عن أسعار المواد الأساسية؟
ماذا عن الصحة والتعليم؟
ماذا عن السكن؟
وماذا عن المناطق التي ما زالت تنتظر مشاريع تنموية حقيقية؟
فإذا كان الصراع السياسي سيختزل في سؤال: من سيحصل على وزارة المالية؟ فإن السؤال الشعبي سيكون أكبر بكثير:
ومن سيحصل على ثقة المواطن؟
هل ستتكرر معاناة خمس سنوات؟
هذا السؤال سيكون حاضراً بقوة في الانتخابات المقبلة.
فالحكومة التي ستنتهي ولايتها مطالبة سياسياً بتقديم حصيلتها للمغاربة، والمواطن هو الحكم النهائي عليها.
ومن هنا فإن أي حديث عن حكومة مقبلة يجب أن يبدأ من سؤال الحصيلة، لا من توزيع المناصب.
هل استفاد المواطن فعلاً من السياسات العمومية؟
هل تحسنت قدرته الشرائية؟
هل تراجعت البطالة؟
هل وصلت التنمية إلى الفئات والمناطق التي تحتاجها؟
وهل استطاعت الحكومة أن تقنع المواطن بأن السنوات الخمس الماضية كانت سنوات إنجاز وليس فقط سنوات تدبير وصراعات سياسية؟
الانتخابات ليست شيكاً على بياض.
والمواطن الذي سيذهب إلى صندوق الاقتراع لا يبحث عن وزير جديد للمالية بقدر ما يبحث عن حكومة جديدة تستطيع أن تمنحه جواباً عن أسئلته اليومية.
كيف تم تسريب التسجيل؟
هنا توجد علامة استفهام كبيرة.
المعطيات المتوفرة لا تقدم، إلى حدود الآن، جواباً حاسماً حول الشخص الذي قام بالتسجيل أو كيفية إخراجه من الاجتماع المغلق.
لكن رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار محمد شوكي أكد أن التسجيل يتعلق بجزء من نقاشات اجتماع المكتب السياسي للحزب، معتبراً أن تسريب جزء من النقاش واختزاله قد يخرجه من سياقه.
وبالتالي، فإن ثلاثة سيناريوهات تبقى مطروحة إعلامياً، من دون الجزم بأي واحد منها في غياب تحقيق أو معطيات رسمية:
أن يكون التسجيل قد تم بشكل غير معلن من داخل الاجتماع.
أن يكون قد وصل إلى شخص خارج دائرة الاجتماع ثم جرى تداوله.
أو أن يكون التسريب قد استُخدم سياسياً لإخراج الخلافات الداخلية إلى العلن في توقيت انتخابي حساس.
والأخطر أن السؤال لم يعد فقط: من سرب التسجيل؟
بل أصبح:
لماذا سُرّب الآن؟ ومن المستفيد من خروجه إلى العلن؟
هل هي حرب الأحرار والبام؟
المؤشرات المتداولة خلال الأيام الأخيرة توحي بارتفاع منسوب التوتر بين حزب التجمع الوطني للأحرار وحزب الأصالة والمعاصرة، وهما حزبان كانا إلى وقت قريب ضمن الأغلبية الحكومية نفسها.
التسجيل المنسوب إلى الطالبي العلمي جاء في سياق اتهامات مرتبطة باستقطاب منتخبين ومرشحين، بينما جاء رد لقجع سياسياً ليركز على قضايا القدرة الشرائية والأسعار، في ما بدا أنه انتقال من المناوشة الحزبية إلى الدفاع عن الحصيلة الحكومية والرهان على المرحلة المقبلة.
وهكذا أصبحت المعركة تحمل عنواناً واضحاً:
من سيقود المشهد بعد 23 شتنبر؟
الخلاصة: المواطن هو صاحب الكلمة الأخيرة
مهما كانت التوقعات والتسريبات والحسابات، تبقى حقيقة واحدة لا يستطيع أي سياسي تجاوزها:
الصندوق هو الذي يقرر.
لا الطالبي العلمي، ولا لقجع، ولا أي زعيم حزبي يستطيع أن يعرف مسبقاً من سيحتل المركز الأول أو الثاني.
والحكومة المقبلة لن يصنعها التسجيل الصوتي، وإنما ستصنعها نتائج الانتخابات، ثم المشاورات الدستورية والسياسية التي تليها.
أما المواطن، فقد أصبح أكثر وعياً من أن يكتفي بالشعارات.
لقد سمع كثيراً عن الوعود، وانتظر كثيراً من النتائج.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسبق كل الحسابات الحزبية هو:
هل ستكون الانتخابات المقبلة بداية مرحلة جديدة يشعر فيها المواطن بأن صوته يصنع الفرق، أم أننا سنعود إلى نفس الوجوه ونفس الحسابات ونفس المعاناة؟
وفي النهاية، ربما يكون أخطر ما كشفه هذا التسريب ليس ما قيل عن المركز الثاني أو وزارة المالية، وإنما أنه أعاد إلى الواجهة سؤالاً أكبر:
هل بدأت الأحزاب بالفعل في تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات… قبل أن يمنحها المغاربة أصواتهم؟

📢 شارك هذا المقال:

🌐 Facebook 🐦 Twitter 📱 WhatsApp
PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com