عين الحدث // أحمد البوشاري

أصدرت وزارة التربية بلاغًا جديدًا تدعو فيه نساء ورجال التعليم المتقاعدين، وخاصة من جيل “أحمد بوكماخ” ومرحلة “Bien lire et comprendre”، إلى العودة للأقسام للمساهمة في “أقسام الريادة للدعم”. هذا البلاغ أثار الكثير من النقاش، وقد سبق لي أن تناولت هذا الموضوع عبر “صباحيات الأستاذ أحمد البوشاري” باعتباري مؤطّرًا تربويًا متابعًا للشأن التعليمي.
ولا أحد يمكنه أن ينكر أن الجيل السابق من المدرسين يمتلك رصيدًا معرفيًا وتربويًا هائلًا. فهؤلاء هم من صاغوا جيلًا كاملًا من المتعلمين، وكانوا قادرين على تحويل أقسام مكتظة وإمكانات ضعيفة إلى فضاءات تعليم حقيقي. خبرتهم، قيمهم المهنية، صبرهم، وانخراطهم الوجداني في العملية التعليمية أمور لا تعوّض، ولا يمكن اختزالها أو تجاهلها.
خدمة للصالح العام
لكن في المقابل، لا يمكن أن يُقدَّم المتقاعد اليوم كحلّ سحري لأزمة تعليمية عميقة تراكمت عبر سنوات. المتقاعد مواطن قضى عمرًا في خدمة المدرسة، وليس “قربانًا” يتم التحايل عليه لإخفاء فشل سياسات أو سدّ خصاص لم يتم التعامل معه بالحكمة والجرأة المطلوبتين.
فالعودة إلى القسم ليست أمرًا بسيطًا؛ هي مسؤولية لها تبعات صحية، نفسية، واجتماعية. والمتقاعد اليوم يحتاج إلى العناية والتكريم، لا أن يوضع في موقع هشّ دون ضمانات حقيقية تحميه:
هل ستضمن الوزارة ظروف عمل لائقة لهؤلاء؟
هل هناك تأمين صحي خاص بهم داخل الأقسام؟
هل تمت استشارتهم فعلًا أم يُفترض أن يقبلوا بدافع “الواجب الوطني” فقط؟
وهل نقابات التعليم وافقت على هذا التوجه أم أنها وضعت ملاحظات تم تجاوزها؟
إن ما ننتظره من الوزارة الوصية هو حلول مستدامة، لا مبادرات ظرفية. فالمشكل الحقيقي يكمن في استقطاب المدرسين، وتحسين جاذبية المهنة، وضمان الشروط المهنية والحقوقية، وليس في إعادة استدعاء من أنهى مساره المهني.
وبينما نُقدّر الرمزية الكبيرة لهذا الجيل، فإن النداء إليهم يجب أن يكون في إطار تكريم الخبرة، أو إشراكهم في التكوين، أو توثيق تجاربهم، لا في إقحامهم مجددًا في الأقسام دون رؤية واضحة.
إن إعادة الاعتبار للمدرس لا تتم عبر تحميل المتقاعد عبء إصلاح ما فشلت السياسات في إصلاحه، بل عبر رؤية استراتيجية ومسؤولية مشتركة بين الوزارة والنقابات والفاعلين التربويين، لبناء مدرسة تستحق أبناء هذا الوطن.
ولفتح جل الطرق في وجه الشباب العاطلين عن العمل للولوج لهذه المهنة الشريفة التي وصفها شاعر وامير الشعراء أحمد شوقي قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا.
الأستاذ أحمد البوشاري: مؤطر تربوي
