عين الحدث … // كتب … احمد كوصي

الدار البيضاء 18 يوليو 2026
في زمن تُقاس فيه سرعة اللاعبين بأجهزة الاستشعار، وتُحلَّل فيه المباريات بالذكاء الاصطناعي، وتُصرف الملايين على علوم التغذية والإعداد البدني والنفسي، خرج الصحفي الفرنسي رومان مولينا ليُلقي حجراً ثقيلاً في مياه الكرة الإفريقية الراكدة: 17 مشعوذاً رافقوا بعثة المنتخب السنغالي خلال كأس إفريقيا بالمغرب.
رقم صادم. ليس لأنه يتعلق بمنتخب مغمور أو هاوٍ، بل لأنه يخص أحد أقوى المنتخبات الإفريقية وأكثرها استقراراً خلال السنوات الأخيرة، منتخب حمل لقب بطل إفريقيا وقدم للعالم جيلاً من النجوم المحترفين في أكبر الأندية الأوروبية.
لكن السؤال الأخطر ليس: هل رافق المشعوذون المنتخب السنغالي فعلاً؟
السؤال الحقيقي هو: كيف وصلت الكرة الإفريقية إلى مرحلة يُناقش فيها عدد المشعوذين أكثر مما يُناقش فيها عدد المحللين التقنيين؟
لقد أمضت القارة سنوات طويلة وهي تحاول إقناع العالم بأن كرة القدم الإفريقية لم تعد مجرد موهبة فطرية، بل أصبحت مشروعاً احترافياً قائماً على العلم والتخطيط والاستثمار. غير أن مثل هذه التصريحات تعيد فتح ملف قديم ظل يطارد الكرة الإفريقية لعقود: ملف الخرافة والشعوذة والبحث عن الانتصار خارج المستطيل الأخضر.
إن كانت صحة هذه المعطيات مؤكدة، فإن القضية لا تتعلق ببعثة سنغالية فقط، بل بصورة كرة إفريقية بأكملها. صورة قارة تملك مواهب لا تقل قيمة عن مواهب أوروبا وأمريكا الجنوبية، لكنها ما زالت أحياناً تسمح للأوهام بالتسلل إلى غرف الملابس ومراكز القرار.
المؤلم في القضية أن الحديث يأتي في وقت تتسابق فيه دول إفريقية، وفي مقدمتها المغرب، لبناء ملاعب عالمية وأكاديميات حديثة ومراكز تكوين متطورة استعداداً لاحتضان أكبر التظاهرات الكروية. وبينما يتحرك البعض نحو المستقبل، يبدو أن آخرين ما زالوا أسرى أفكار تنتمي إلى زمن آخر.
ولعل ما يجعل تصريحات مولينا أكثر إثارة هو توقيتها. فالسنغال خرجت من كأس العالم وسط انتقادات رياضية واسعة، وبدأت الأسئلة تُطرح حول أسباب التراجع بعد سنوات من التألق. وهنا جاءت هذه « القنبلة الإعلامية » لتضيف طبقة جديدة من الجدل، ولتحول النقاش من الأخطاء التكتيكية والاختيارات الفنية إلى كواليس لم يكن الجمهور يتخيل وجودها بهذا الحجم.
غير أن الإنصاف يفرض التذكير بأن كرة القدم لا تُهزم بسبب المشعوذين وحدهم، كما أنها لا تنتصر بفضلهم. فالمنتخبات الكبرى تبني أمجادها داخل مراكز التدريب والمختبرات الرياضية وقاعات التحليل، لا في طقوس الغيب ولا في رهانات المجهول.
وربما لهذا السبب بالذات أثارت تصريحات مولينا كل هذا الضجيج؛ لأنها وضعت الكرة الإفريقية أمام مرآة محرجة، وسألتها بصوت عالٍ:
هل نريد أن نصنع أبطالاً بالعِلم والعمل، أم ما زلنا نبحث عن الكؤوس في جيوب المشعوذين؟
سؤال قاسٍ، لكنه سؤال لا تستطيع كرة القدم الإفريقية الهروب منه طويلاً.
