عين الحدث … كتب // حسن لطفي
لطالما مررتُ بجانب نقاشات كرة القدم بقدر كبير من اللامبالاة، باعتبارها مجرد لعبة تحكمها قواعد الربح والخسارة والروح الرياضية. لكن هذا التصور تغيّر جذريًا في السنوات الأخيرة، بعدما خرجت كرة القدم من إطارها الرياضي البسيط، وتم الزجّ بها في صراعات سياسية وجيوستراتيجية لا علاقة لها بالميدان ولا بالكرة.
أصبحت الكرة تُربط بدم الشهداء، وبوحدة الأوطان، وبالتخوين والتشكيك، وبمصطلحات رنّانة تُستعمل بذكاء لمداعبة مشاعر شرائح واسعة من شعوب عالمنا الثالث، التي للأسف انساقت وراء أوهام المؤامرة بدل التفكير العقلاني والنقدي.
ولو توقفنا قليلًا لتحليل الأمر بهدوء ومنطق، سنكتشف أن ما يجري يتجاوز كرة القدم بكثير. فالمغرب، في السنوات الأخيرة، اختار أن يشتغل بصمت، وأن يراكم التجربة، محاولًا مجاراة كبريات الدول العالمية تنظيمًا، ولوجستيكًا، وبنيةً تحتية، وتنافسًا رياضيًا. وقد نجح في ذلك نجاحًا ملموسًا يشهد له القاصي والداني، دون ضجيج أو مزايدات، ودون أن ينظر إلى الخلف أو يلتفت إلى عقد الجغرافيا أو حسابات الحسد.
غير أن هذا النجاح لم يُقابل دائمًا بالترحيب، خصوصًا من طرف بعض الجيران ومن خلفهم أصوات داخل القارة الإفريقية، عقولٌ تأبى الاعتراف بالندية والمنافسة الشريفة، وترفض أن ترى بلدًا إفريقيًا ينجح خارج القوالب النمطية التي رُسِمت له منذ عقود.
وهنا مكمن الخلل الحقيقي: تبخيس قدرة المغرب لا لشيء إلا لأنه كسر الصورة النمطية عن دول الجنوب.
منذ لحظة الإعلان عن تنظيم التظاهرة القارية، انطلقت حملة ممنهجة لا تنقطع: تشكيك، تبخيس، تقليل من المجهودات، بل وصل الأمر إلى توجيه اتهامات ثقيلة تمس النزاهة والذمة، دون أدلة أو حجج. والمغرب، في المقابل، اختار الصمت والعمل، مؤمنًا بأن الميدان هو الحكم الحقيقي، لا الضجيج الإعلامي ولا الخطابات الشعبوية.
ومع انطلاق المنافسات، عادت الأسطوانة المشروخة من جديد، وانكشفت الأقنعة، وظهرت الوجوه الحاقدة، وتحررت الألسنة السليطة من كل ضابط أخلاقي أو رياضي. لم يعد الأمر يتعلق بمباراة أو نتيجة، بل بمحاولة يائسة لإفشال نجاح مغربي واضح، ولو على حساب مصلحة القارة الإفريقية بأكملها.
المؤسف في كل هذا أن بعض شعوب القارة انساقت وراء هذا الخطاب، فبدل أن ترى في التجربة المغربية نموذجًا يُحتذى به، قرأت النجاح بعين الشك والتآمر. وكأن الرسالة الضمنية تقول: “لا يحق لبلد إفريقي أن ينجح، وإذا نجح فلا بد أن يكون ذلك عبر الغش أو التواطؤ”.
إن ما نحتاجه اليوم ليس جلسات جلد الذات ولا سياسة الأبواب المسدودة، بل ثقافة الاعتراف بالنجاح، والقطع مع عقلية الحسد، والعمل الجماعي من أجل الرقي بكرة القدم الإفريقية، بدل تحويلها إلى ساحة صراعات وهمية.
فنجاح المغرب ليس هزيمة لغيره، بل فرصة للقارة كلها لتؤمن بقدرتها على التنظيم، والتميز، والمنافسة بشرف على المستوى العالمي
