« قانون المجلس الوطني للصحافة… عندما يتحول التشريع إلى فضيحة سياسية »

عين الحدث … ابو ايمن //كتب

مرة أخرى يطفو على السطح سؤال قديم في الحياة السياسية المغربية: من يصنع القوانين؟ وهل تُصاغ داخل المؤسسات بروح الاجتهاد والمسؤولية، أم تُمرر بمنطق السرعة والولاءات؟
مشروع قانون المجلس الوطني للصحافة الذي أحاله المجلس الحكومي إلى مجلس النواب بعد تعديلات المحكمة الدستورية، يبدو اليوم نموذجاً صارخاً لما يمكن وصفه بارتباك تشريعي غير مسبوق. فبدل أن تتعامل الحكومة مع ملاحظات المحكمة باعتبارها فرصة لإعادة قراءة النص القانوني وضبط انسجامه الداخلي، اكتفت – في مشهد يثير الاستغراب – بإدراج تلك التعديلات بشكل حرفي، وكأن الأمر لا يتعدى عملية “نسخ ولصق” داخل وثيقة إدارية.
غير أن التشريع ليس عملاً تقنياً بسيطاً، بل هو منظومة متكاملة من النصوص المتشابكة. وأي تعديل في مادة واحدة يفرض، منطقياً وقانونياً، مراجعة باقي المواد المرتبطة بها لضمان الانسجام التشريعي وتفادي التضارب عند التطبيق. وهو ما أكدته المحكمة الدستورية نفسها في قرارها الصادر في 22 يناير 2026، حين شددت على أن من مهامها الأساسية مراقبة مدى تحقق الانسجام بين مواد القانون الواحد حتى يكون قابلاً للتطبيق دون تعارض.
لكن يبدو أن هذه القاعدة البديهية لم تجد طريقها إلى طاولة المجلس الحكومي.
فالطريقة التي أعيد بها تقديم المشروع توحي بأن الهدف لم يكن تحسين النص أو تجويده، بل تمريره بأسرع وقت ممكن، مهما كانت الثغرات أو التناقضات التي قد يخلفها ذلك داخل بنية القانون.
والمفارقة الأكبر أن المحكمة الدستورية لم تكتف بالمواد التي طعنت فيها فرق المعارضة داخل مجلس النواب، بل اضطرت إلى التدخل من تلقاء نفسها لإثارة عدم دستورية مواد أخرى. فقد نظرت المحكمة في المواد 5 و9 و10 و13 و23 و44 و45 و55 و93، لتقضي بعدم دستورية المادتين 5 و93، بينما أثارت بنفسها مخالفة مواد أخرى للدستور، وهي 4 و49 و57.
هذه الحقيقة وحدها كافية لطرح سؤال مقلق: كيف يمكن لنص قانوني يفترض أنه مر عبر المجلس الحكومي ولجان البرلمان أن يحمل هذا العدد من الاختلالات الدستورية؟
الأمر لا يتعلق هنا بتفصيل تقني صغير، بل بمؤشر واضح على ضعف الاجتهاد التشريعي داخل المؤسسات المكلفة بصناعة القوانين.
ولعل المثال الأكثر وضوحاً على هذا الارتباك يظهر في المادة الخامسة من مشروع القانون. فبعد تدخل المحكمة الدستورية، تم إقرار التساوي في التمثيلية بين فئتي الناشرين والصحافيين داخل المجلس الوطني للصحافة، بسبعة أعضاء لكل فئة، بعدما كان المشروع يمنح تسعة مقاعد للناشرين مقابل سبعة للصحافيين.
ذلك الاختلال في التمثيلية كان سيشكل سابقة خطيرة في تاريخ التنظيم المهني للصحافة، لولا تدخل المحكمة الدستورية الذي أعاد التوازن إلى القاعدة الديمقراطية.
غير أن الحكومة، بدل أن تعيد صياغة باقي المواد المرتبطة بهذا التعديل، اكتفت بإدراج المقتضى الجديد كما هو، دون التفكير في تداعياته العملية.
والنتيجة أن المشروع يضع المهنيين واللجنة المشرفة على الانتخابات أمام معضلة حقيقية: كيف سيتم انتخاب رئيس المجلس إذا كان عدد المصوتين متساوياً بين الناشرين والصحافيين؟
هل سيصوت الصحافيون لرئيس من الناشرين؟
وهل سيصوت الناشرون لرئيس من الصحافيين؟
ثم ماذا عن ممثلي هيئات الحكامة أو ممثل السلطة القضائية الذي يرأس اللجنة المشرفة على الانتخابات؟
هل سيُطلب منهم التصويت للحسم في الرئاسة، رغم أن دورهم يفترض الحياد والإشراف فقط؟
وإذا تم إعفاؤهم من التصويت، فمن سيحسم نتيجة التعادل؟
أسئلة بسيطة، لكنها كافية لكشف حجم الفراغ التشريعي الذي قد يتحول مستقبلاً إلى أزمة مؤسساتية داخل المجلس الوطني للصحافة.
المثير للسخرية أن القانون السابق المنظم للمجلس، الصادر سنة 2016 تحت رقم 13-90، كان قد انتبه إلى هذه الإشكالية مبكراً، ونص على مبدأ التناوب بين الناشرين والصحافيين على رئاسة المجلس، كحل ذكي يضمن التوازن ويجنب أي انسداد.
لكن يبدو أن بعض المشرعين اليوم اختاروا تجاهل تلك التجربة، ليعيدوا إنتاج الإشكال نفسه في صيغة أكثر تعقيداً.
كل ذلك يطرح سؤالاً أكبر من مجرد مادة قانونية: هل نحن أمام إصلاح حقيقي لقطاع الصحافة، أم أمام مشروع قانون صيغ على عجل لإرضاء مصالح معينة داخل المشهد الإعلامي؟
فالقوانين التي يفترض أن تحمي استقلالية الصحافة وتنظم المهنة لا يمكن أن تُبنى على نصوص مرتبكة أو تعديلات معزولة عن سياقها التشريعي.
وإذا استمر البرلمان في تمرير هذا المشروع دون إعادة قراءته بعمق، فإننا لن نكون أمام إصلاح للصحافة، بل أمام قانون قد يسجل في التاريخ السياسي المغربي كواحد من أكثر النصوص إثارة للجدل… وربما كـ فضيحة تشريعية مكتملة الأركان

📢 شارك هذا المقال:

🌐 Facebook 🐦 Twitter 📱 WhatsApp
PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com