خريف الحراس … حين يتحول التقاعد الى نوبة حراسة أخيرة .

عين الحدث … طارق يسري

في المخيال الاجتماعي، يفترض أن يشكل التقاعد لحظة انتقال هادئة من صخب العمل إلى سكينة الاستقرار، مكافأة مستحقة بعد سنوات طويلة من الانضباط والعطاء. غير أن هذا التصور يتهاوى أمام واقع شريحة واسعة من عاملي الأمن الخاص، الذين يجدون أنفسهم، بدل الاستراحة، في مواجهة قاسية مع الفقر والهشاشة. فالمعاشات الهزيلة التي يتقاضونها لا تكفي لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم، مما يدفعهم قسرا إلى العودة إلى مواقع العمل في سن متقدمة، حيث يصبح الجسد أضعف من متطلبات المهنة، والكرامة على المحك.

لقد أمضى هؤلاء الرجال عقودا في حراسة ممتلكات الغير، ساهرين على أمن مؤسسات ومرافق حيوية، غالبا في ظروف عمل صعبة وأجور محدودة. ومع ذلك، فإن نهاية مسارهم المهني لا تعكس حجم التضحيات التي قدموها. فبدل أن يكون التقاعد تتويجا لمسار مهني طويل، يتحول إلى مرحلة قلق دائم، عنوانها البحث اليومي عن مورد إضافي يسد فجوة المعاش الضئيل.

إن ظاهرة عودة الحراس المتقاعدين إلى العمل ليست مجرد اختيار فردي، بل هي انعكاس لبنية اقتصادية واجتماعية غير منصفة. فضعف الأجور خلال سنوات الخدمة يترجم لاحقا إلى معاشات غير كافية، وغياب آليات فعالة للحماية الاجتماعية يزيد من حدة هذا الوضع. هكذا، يجد الحارس نفسه عالقا في حلقة مفرغة: عمل شاق بأجر محدود، يعقبه تقاعد لا يضمن الكفاف، ثم عودة اضطرارية إلى العمل في ظروف أكثر قسوة.

الأكثر إيلاما هو المشهد المتكرر لوفاة بعض هؤلاء الحراس أثناء أداء مهامهم في سن متقدمة، أحيانا في السبعين أو حتى الثمانين. هذه الحوادث ليست مجرد وقائع معزولة، بل تعبير صارخ عن خلل عميق في منظومة العدالة الاجتماعية. إنها تطرح أسئلة ملحة حول قيمة الإنسان في سوق العمل، وحول مسؤولية الدولة والمجتمع في صون كرامته بعد سنوات الخدمة.

إن معالجة هذا الوضع لا يمكن أن تقتصر على حلول جزئية أو ظرفية، بل تتطلب مقاربة شمولية تعيد الاعتبار لهذه الفئة. يبدأ ذلك بمراجعة هيكل الأجور في قطاع الأمن الخاص، بما يضمن دخلا لائقا خلال سنوات العمل، وينعكس إيجابا على قيمة المعاشات. كما يستدعي الأمر تعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وتوسيع نطاق التغطية الصحية، وضمان شروط تقاعد تليق بكرامة الإنسان.

إلى جانب ذلك، ينبغي فرض رقابة أكثر صرامة على شركات الأمن الخاص لضمان احترامها لحقوق العمال، وتوفير بيئة عمل إنسانية تأخذ بعين الاعتبار التقدم في السن والقدرة البدنية. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية، بل بمدى احترامها لحقوق الفئات الأكثر هشاشة.

في النهاية، لا يتعلق الأمر فقط بقطاع مهني بعينه، بل بصورة المجتمع عن ذاته: هل نقبل أن يتحول من أفنوا أعمارهم في حمايتنا إلى ضحايا صامتين للفقر والإهمال؟ أم أننا سنعيد الاعتبار لقيمة العمل، ونضمن أن يكون التقاعد بداية لحياة كريمة، لا نوبة حراسة أخيرة تنتهي بالمو….،ت؟

📢 شارك هذا المقال:

🌐 Facebook 🐦 Twitter 📱 WhatsApp
PHP Code Snippets Powered By : XYZScripts.com