الدارالبيضاء … عين الحدث … احمد كوصي

البيضاء 28 يوليو 2026
في المغرب، لا تحمل الهبات الملكية بعدها الاجتماعي والإنساني فحسب، بل تختزل في جوهرها فلسفة كاملة قوامها الوفاء والإنصاف وجبر الضرر وحفظ كرامة الإنسان. إنها عطاءات سامية تنبع من حرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده على أن يصل عطفه المولوي إلى مستحقيه دون تأخير أو نقصان.
غير أن السؤال الذي يؤرق الضمير اليوم هو: ماذا يحدث عندما يتوقف هذا العطاء عند أبواب مغلقة؟ ومن يملك حق الصمت أمام ملف ينتظر أصحابه جواباً منذ سنوات؟
إن قضية الهبة الملكية المخصصة لعائلة الفنان الراحل محمود السعدي ليست مجرد ملف إداري عالق، بل هي قصة انتظار طويلة امتزجت فيها الحسرة بالأمل، وتحولت فيها الأسئلة إلى وجع إنساني لا يجد من يجيب عنه. ابنة الراحل ما تزال، إلى حدود اليوم، تبحث عن الحقيقة، متنقلة بين الأبواب والجهات، تحمل معها سؤالاً واحداً: أين آلت الهبة الملكية التي تفضل بها جلالة الملك لفائدة أسرتها؟
إن السؤال هنا لا يحمل اتهاماً لأحد، ولكنه يحمل مسؤولية أخلاقية وقانونية تفرض الكشف عن الحقيقة كاملة. فالهبات الملكية ليست أوراقاً تحفظ في الملفات، ولا قرارات تُؤجل إلى أجل غير مسمى، بل هي إرادة ملكية سامية عنوانها الإنصاف والكرامة.
فمن المسؤول عن هذا الصمت؟ وهل ضاعت الحقيقة بين المساطر الإدارية؟ أم أن الملف ما يزال ينتظر من يزيل عنه غبار السنوات؟ ومن يتحمل مسؤولية الألم الذي يعيشه أصحاب الحق وهم يرون العطاء الملكي الكريم يقف عاجزاً أمام أبواب لا تُفتح؟
إن أكبر إساءة يمكن أن تلحق بالمبادرات الملكية النبيلة ليست في عدم صدورها، بل في عدم وصولها إلى مستحقيها أو في بقائها حبيسة الملفات المغلقة. فحين يمنح الملك من عطائه، فإن رسالته تكون واضحة: لا يُترك أحد خلف أبواب الانتظار.
واليوم، لا تطلب ابنة الراحل محمود السعدي سوى حقها في معرفة الحقيقة. لا تبحث عن امتياز، ولا تطلب سوى أن يصل صوتها إلى السدة العالية بالله، وأن يشملها العطف المولوي الذي طالما كان ملاذاً لكل مظلوم وصاحب حاجة.
إن هذا النداء ليس موجهاً ضد أحد، بل هو نداء من أجل الحقيقة. فالحقيقة وحدها قادرة على أن تنصف الجميع، وأن تحمي المقاصد السامية للهبات الملكية من أن تتحول إلى ملفات صامتة لا يسمع أحد أنين أصحابها.
ويبقى السؤال الذي لن يسقط بالتقادم: كيف لهبة ملكية سامية أن تتحول إلى لغز إنساني لم يُكشف سره بعد؟ ومن يملك الشجاعة والمسؤولية ليجيب عن صمت هذا الملف؟
إن الوفاء الحقيقي للعطاء الملكي ليس في الإشادة به فحسب، بل في ضمان وصوله إلى من خُصِّص له. وما بين عطاء ملكي كريم وأبواب ما تزال مغلقة، يبقى الأمل معقوداً على أن تنتصر الحقيقة، وأن يُطوى هذا الملف بإنصاف يليق بمقاصد المبادرات الملكية السامية، وباسم الراحل الذي ترك بصمته في الذاكرة الفنية المغربية، وبدموع ابنة ما تزال تنتظر جواباً.
