الدارالبيضاء … عين الحدث … متابعة // احمد كوص

تاتي رواية « تاغريت » التي تعني الزغرودة بالامازيغية بوصفها عملا سرديا يمزج بين الواقعية الاجتماعية والبعد الرمزي، حيث تتحول الزغرودة من مجرد صوت احتفالي الى اعلان تحرر جماعي وانتصار للوعي على الخوف. فالعنوان ذاته يشكل عتبة دلالية قوية، يوحي منذ البداية باننا امام حدث استثنائي سيكسر صمتا طويلا داخل مجتمع تقليدي محافظ.
تقع الرواية في حوالي 285 صفحة، وهو حجم يتيح للكاتب التوسع في بناء الشخصيات وتفصيل الاحداث واستحضار الذاكرة الجماعية للمنطقة بكل غناها الثقافي والاجتماعي.
تدور احداث الرواية في سبعينيات القرن الماضي باحدى قرى الاطلس الصغير، وتحديدا بمنطقة اسافن، حيث ينسج الكاتب فضاء قرويا نابضا بالحياة، تتجلى فيه علاقة الانسان بالارض بوصفها علاقة هوية وانتماء لا مجرد ملكية. القرية هنا ليست خلفية للاحداث، بل شخصية حية تتنفس بالتقاليد والمعتقدات، وتحكمها منظومة اجتماعية متماسكة، يتوارثها الناس جيلا بعد جيل.
ولا يمكن قراءة هذا العمل بمعزل عن الارتباط العميق للكاتب باصوله في اسافن، اذ يبدو واضحا ميله الدائم في كتاباته الى العودة الى جذوره واستلهام ذاكرة المكان. فارتباطه الكبير بالارض ليس موضوعا عابرا في الرواية، بل هو موقف وجودي يعكس اعتزازه بالهوية المحلية وحرصه على صون الارث المادي واللامادي للمنطقة.
في هذا السياق، يختار الكاتب ثلاثة اطفال قادمين من المدينة لقضاء عطلتهم الصيفية، ليجعل منهم محور التحول السردي. فالطفولة في الرواية ليست رمزا للبراءة فقط، بل قوة مساءلة وبداية وعي جديد. بفضولهم البريء وشجاعتهم الفطرية، يتمكن هؤلاء الاطفال من تفكيك منظومة خوف راسخة مرتبطة بالاطياف والاشباح والمعتقدات السائدة، ويقودون القرية دون قصد مباشر الى اعادة النظر في قناعاتها، بل والى كشف حقيقة غيبت لعقود، مما يفضي الى ارجاع الحق الى صاحبه.
تكمن قوة الرواية في قدرتها على طرح سؤال عميق: كيف يمكن للخرافة ان تحكم مجتمعا كاملا لسنوات طويلة؟ وكيف يمكن للحقيقة ان تؤجل كل هذا الزمن؟ ان حل المعضلة لا يمثل مجرد نهاية سردية، بل يشكل لحظة تطهير جماعي، وزغرودة رمزية لعدالة تاخرت كثيرا.
اسلوب الكاتب يتسم بوصف دقيق للتقاليد والعادات، دون افراط او مباشرة، مما يمنح النص بعدا انثروبولوجيا واضحا. فهو يوثق الموروث المادي واللامادي للمنطقة، ويبرز تعلق السكان بارضهم ومحافظتهم على ارثهم الثقافي، في لغة تجمع بين بساطة الحكي وعمق الرؤية.
في المجمل، يمكن اعتبار « تاغريت » رواية عن ميلاد الوعي داخل مجتمع تقليدي، وعن انتصار العقل على الخوف، وعن قدرة البراءة على تفكيك اكثر القيود رسوخا. انها زغرودة للعدالة، وصوت جماعي يعلن ان الحقيقة مهما طال صمتها لا بد ان تجد من يوقظها.
