خريبكة … عين الحدث … طارق يسري

في سياق دينامية ثقافية متجددة تعرفها الساحة الوطنية، تحتضن مدينة خريبكة، ما بين 23 و25 أبريل 2026، فعاليات الدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني لفن عبيدات الرما، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، في محطة تؤكد التحول النوعي الذي بات يعرفه تدبير التراث الثقافي اللامادي بالمغرب.
هذا الموعد لا يُقرأ فقط باعتباره تظاهرة فنية، بل كآلية مؤسساتية لإعادة الاعتبار لأحد أبرز التعبيرات التراثية التي استطاعت، عبر الزمن، أن تحافظ على بنيتها الرمزية ووظيفتها الاجتماعية، رغم التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال الثقافي.
وتبرز، في هذا الإطار، الأدوار المتكاملة التي تضطلع بها مختلف المتدخلين، من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، إلى السلطات الإقليمية والشركاء الترابيين، في تكريس نموذج تدبيري يقوم على التقائية الفعل الثقافي وتداخله مع رهانات التنمية المجالية.
ضمن هذه المقاربة، شكّلت المراحل التحضيرية، وخاصة الإقصائيات الفنية التي أُنجزت تحت إشراف المديرية الجهوية لقطاع الثقافة وبتنفيذ ميداني من المديرية الإقليمية بخريبكة، لحظة تنظيمية دقيقة عكست مستوى عالٍ من الاحترافية.
فلم تكن هذه الإقصائيات مجرد عملية انتقائية، بل ممارسة نقدية قائمة على معايير جمالية وتراثية، استهدفت فرز التجارب القادرة على تمثيل هذا الفن في أبهى صوره، وضمان توازن يراعي الامتداد الجغرافي والتنوع الأسلوبي.
وقد أفضت هذه الدينامية إلى اختيار أربعين فرقة تمثل عدداً من الأقاليم، في تأكيد على أن عبيدات الرما لم يعد تعبيرًا محليًا محدودًا، بل مكونًا ثقافيًا عابرًا للمجالات، يعكس وحدة الهوية في تعدد تجلياتها.
وعلى مستوى البرمجة، تراهن هذه الدورة على تنويع العرض الثقافي، من خلال سهرات فنية كبرى، واستضافة أنماط غنائية تراثية أخرى، إلى جانب برمجة فكرية موازية تسعى إلى مساءلة هذا الفن من زوايا بحثية متعددة، بما يعزز حضوره ليس فقط كفرجة، بل كموضوع للدراسة والتحليل.
كما يكتسي البعد الاجتماعي للمهرجان أهمية خاصة، من خلال انفتاحه على فئات مختلفة، عبر تنظيم عروض داخل المؤسسات السجنية، وإحياء فضاءات عمومية مفتوحة بحلقات تراثية، في خطوة تعكس تصورًا ديمقراطيًا للثقافة باعتبارها حقًا مشاعًا.
وفي التفاتة ذات دلالة عميقة، سيتم تكريم ثلة من رواد هذا الفن، في تأكيد على أن استمرارية التراث لا تتحقق فقط بالتداول، بل أيضًا بالاعتراف بمن أسّسوا له وحافظوا على استمراره.
إن مهرجان عبيدات الرما في دورته الخامسة والعشرين لا يكتفي بالاحتفاء بالماضي، بل يعيد صياغته ضمن أفق معاصر، حيث يتحول التراث من مجرد ذاكرة محفوظة إلى مورد استراتيجي، قادر على الإسهام في بناء تنمية ثقافية مستدامة، قوامها الإبداع، وأساسها الهوية، وأفقها الانفتاح.
