عين الحدث … احمد كوصي

الدارالبيضاء 10يوليو 2026
في كرة القدم، هناك هزائم تُفرض عليك بقوة المنافس، وهناك هزائم تولد في اللحظة التي تتخلى فيها عن شجاعتك. وبين هذين المشهدين، وقف المغاربة مذهولين أمام منتخب لم يشبه نفسه، وكأن « أسود الأطلس » تركوا أنيابهم خارج الملعب قبل أن يواجهوا فرنسا.
لم تكن فرنسا بحاجة إلى معجزة لتبلغ المربع الذهبي، ولم تقدم كرة قدم خارقة للعادة، لكنها وجدت منافسًا منحها ما كانت تبحث عنه: المساحات، والهدوء، وحق التحكم في إيقاع المباراة. وعندما يشعر منتخب بحجم فرنسا بأنه يلعب دون ضغط حقيقي، فإنه يعرف كيف يحسم المواجهة بأقل مجهود.
لقد انتظر الملايين أن يروا منتخبًا يقاتل حتى آخر نفس، يضغط، يناور، يغامر، ويجعل الفرنسيين يشكون في قدرتهم على العبور. لكن ما حدث كان مختلفًا؛ فالحذر بدا أكبر من الطموح، والتحفظ بدا أقوى من الرغبة في صناعة التاريخ.
من حق أي مدرب أن يختار أسلوبه، ومن حق أي لاعب أن يمر بيوم صعب، لكن ليس من حق أحد أن يفقد المنتخب شخصيته في أهم مباراة. فالمنتخبات العظيمة قد تُهزم، لكنها لا تتنازل عن هويتها.
قد يقول البعض إن الفارق في الإمكانات هو الذي حسم النتيجة، وربما يحمل هذا الرأي جانبًا من الحقيقة. لكن الفارق الأكبر بدا في الجرأة الذهنية؛ فرنسا لعبت لتفوز، بينما بدا المغرب، في فترات من اللقاء، منشغلًا بعدم الخسارة، وبين العقلية الأولى والثانية تضيع عادة الأحلام الكبيرة.
الجماهير المغربية لا تغضب من الهزيمة بقدر ما تغضب من الشعور بأن الحلم غادر الملعب قبل صافرة النهاية. فهي كانت مستعدة لتقبل الإقصاء بعد معركة كروية ملحمية، لكنها كانت تنتظر أن ترى منتخبًا يفرض شخصيته حتى اللحظة الأخيرة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن هذا الجيل كتب صفحات مشرقة في تاريخ الكرة المغربية، وأن مباراة واحدة لا تمحو سنوات من العمل والإنجاز. غير أن المنتخبات التي تطمح إلى اعتلاء القمة لا تكتفي بالاحتفاء بما تحقق، بل تمتلك الشجاعة لمواجهة أخطائها قبل الاحتفال بإنجازاتها.
لقد انتهت مباراة فرنسا، لكن النقاش الحقيقي يبدأ الآن: هل كانت الخسارة مجرد تفوق منافس قوي، أم أنها كانت إنذارًا بأن الجرأة التي صنعت أمجاد الأمس تحتاج إلى أن تبقى حاضرة في أصعب الليالي؟
لأن التاريخ لا يذكر فقط من انتصر… بل يذكر أيضًا من امتلك الشجاعة ليقاتل حتى النهاية.
