عين الحدث … كتب // ابو ايمن
الدارالبيضاء 31 يوليو 2026
لم يكن البحر هو من دعاهم إلى الرحيل، ولم تكن الأمواج وحدها من دفعتهم إلى السباحة نحو المجهول. هناك دائماً ما هو أبعد من الصورة، وما هو أخطر من الخبر، وما هو أعمق من الأرقام التي تتناقلها وكالات الأنباء.
عشرات الآلاف من الأقدام تحركت في وقت واحد نحو سبتة المحتلة، وكأن هناك ساعة خفية دقت معلنة بداية فصل جديد من أزمة لم تكتب كل أسرارها بعد. فهل نحن أمام موجة هجرة جماعية عادية؟ أم أن الأمر يتعلق برسالة سياسية متعددة العناوين اختارت البحر وسيلة لإيصالها؟
في السياسة، لا أحد يسأل فقط: ماذا وقع؟ بل يسأل أيضاً: لماذا وقع؟ ولماذا الآن بالذات؟ ومن المستفيد؟
إن التوقيت وحده يدعو إلى التأمل. فبعد أيام قليلة من الزيارة الإسبانية إلى الجزائر، وفي وقت تعيش فيه العلاقات المغربية الإسبانية إحدى أفضل مراحلها السياسية والدبلوماسية، تعود سبتة المحتلة إلى الواجهة لتفرض نفسها على الأجندة الأوروبية من جديد.
إنها أسئلة لا يمكن تجاهلها، لكنها أيضاً لا تسمح بإطلاق الاتهامات جزافاً. فالسياسة لا تبنى على التخمين، كما أن الملفات الاستخباراتية لا تدار عبر العناوين الصحفية وحدها.
غير أن ما يثير الانتباه هو أن المغرب يوجد اليوم في قلب معادلة الأمن والهجرة بالنسبة لأوروبا. فمنذ سنوات، تحولت المملكة إلى شريك استراتيجي في حماية الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، ونجحت أجهزتها الأمنية في إحباط آلاف محاولات الهجرة السرية وتفكيك مئات الشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
فهل من مصلحة البعض أن تهتز هذه المعادلة؟
السؤال مشروع، خصوصاً إذا علمنا أن ملف الهجرة لم يعد مجرد قضية إنسانية، بل أصبح أحد أخطر أسلحة الحروب الناعمة بين الدول. فهناك دول تحاصر بالعقوبات الاقتصادية، وأخرى تضغط بالدبلوماسية، وثالثة تدير صراعاتها عبر الحدود والهجرة والاقتصاد والإعلام.
لهذا، فإن الذين يعتقدون أن ما حدث في سبتة مجرد صدفة جغرافية، قد يكونون مطالبين بإعادة قراءة المشهد من جديد.
ومن حق المغاربة أن يتساءلوا: من الذي استفاد من عودة التوتر إلى سبتة؟ ومن المستفيد من وضع الرباط ومدريد أمام اختبار سياسي وأمني جديد؟ ومن الذي يرغب في إرباك الشراكة المغربية الإسبانية التي راكمت مكاسب استراتيجية خلال السنوات الأخيرة؟
أما الحديث عن ضلوع أجهزة استخبارات أجنبية، بما فيها الأجهزة الجزائرية، فيبقى في حدود الفرضيات السياسية التي لا يمكن تحويلها إلى حقائق دون أدلة موثقة وتحقيقات رسمية. فالاتهام مسؤولية قبل أن يكون عنواناً صحفياً، والحقيقة لا تبنى إلا على الوقائع الثابتة.
لكن ما لا يحتاج إلى تحقيق هو أن آلاف الشباب الذين خاطروا بحياتهم لم يكونوا مجرد أرقام في نشرات الأخبار، بل كانوا وقوداً لأزمة تكشف حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع الإنسان إلى الارتماء في أحضان البحر مهما كانت المخاطر.
لقد اشتعلت سبتة من جديد، لكن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجميع ليس فقط: كيف وصل هؤلاء إلى هناك؟ بل: من الذي جعل البحر يبدو لهم أقل خطراً من البقاء؟
إن أزمة سبتة 2026 قد تكون مجرد حادث عابر، وقد تكون بداية مرحلة جديدة من صراع الرسائل السياسية في غرب البحر الأبيض المتوسط. وما بين الرباط ومدريد والجزائر، هناك ملفات كثيرة تتحرك فوق الطاولة وتحتها في الوقت نفسه.
وإذا كانت الحقيقة لا تزال غارقة في ضباب البحر، فإن أمراً واحداً أصبح مؤكداً: عندما تتحرك آلاف الأقدام نحو الحدود في اللحظة نفسها، فإن السياسة تكون قد سبقتها بخطوات كثيرة.
ويبقى السؤال الأكبر معلقاً فوق مياه المتوسط: من حرّك آلاف الأقدام نحو البحر… ومن ينتظر اليوم جني ثمار هذا المشهد؟
