تنجداد … عين الحدث … حنان باغازي

بنتُ تنجداد، أتحدث من عمق الجنوب الشرقي، حيث لا يأتي الشتاء بوصفه فصلاً من فصول السنة فحسب، بل بوصفه امتحاناً سنوياً يكشف هشاشة البنية التحتية ويفضح المسافة بين الحق في الحياة والواقع المعيش.
هنا، لا تحتاج الطبيعة إلى أن تكون قاسية بقدر ما يكفي أن تكون حقيقية، حتى تنكشف سنوات من الاختلال في التخطيط وغياب العدالة المجالية.
طرقاتٌ تتهاوى، ومسالكُ تنقطع، ومناطق تتحوّل إلى جزر معزولة، وكأن الانتماء إلى هذا الوطن لا يمنح الجميع القدر نفسه من الأمان.
أما الطامة الكبرى، فهي أن تصبح الوقاية المدنية، في بعض المناطق، غائبةً أو بعيدةً عن مستوى الحاجات، بينما تُترك الأرواح معلّقة بين قسوة الطبيعة وبطء الاستجابة.
والمأساة ليست في السيول وحدها، بل في أن نعرف مسبقاً ما قد يحدث، ثم ننتظر وقوعه لنتحدث عن الخسائر.
فأي معنى للتنمية إذا كانت لا تصل إلى الإنسان حين يصبح في أمسّ الحاجة إليها؟ وأي عدالة مجالية تلك التي تجعل المسافة إلى المستشفى أو وسيلة الإنقاذ عاملاً قد يفصل بين الحياة والموت؟
إن الجنوب الشرقي لا يطلب امتيازاً، بل يطالب بأبسط شروط المواطنة: بنية تحتية تصمد، ومرافق إنقاذ حاضرة، وتدبير استباقي يحترم قيمة الإنسان.
فالمناطق المهمّشة لا تعاني فقط من قلة الإمكانيات، بل من تحوّل الهشاشة إلى أمر مألوف، ومن احتمال المأساة إلى مشهد يتكرر حتى يكاد يفقد قدرته على إيقاظ الضمير.
ومن تنجداد، لا أكتب دفاعاً عن ترابٍ أنتمي إليه فحسب، بل عن مبدأ أعمق: لا تُقاس قيمة الدولة بما تشيّده في مراكزها، بل بقدرتها على حماية الإنسان في أبعد هوامشها.
لأن الكارثة الطبيعية قد تكون قدراً، أما أن تتكرر الخسائر نفسها في ظل غياب الاستعداد والوقاية، فذلك سؤالٌ عن المسؤولية، وعن معنى أن يكون الإنسان مواطناً لا مجرّد رقمٍ يُضاف إلى حصيلة الخسائر.
